تقترب مصر من احتمال الانخراط العسكري المباشر في الصراع المتصاعد بين السعودية والحوثيين في اليمن، بعدما طلب رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي موافقة البرلمان على تفويض القوات المسلحة بالمساعدة في الدفاع عن المملكة إذا طلبت الرياض دعم القاهرة.
ويأتي هذا التحرك في ظل اتساع نطاق المواجهات التي أشعلتها الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير 2026، بينما يواجه النظام الأمني الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة. وأعد ألكسندر دزياجوش ودينا صقر ومريم رزق تقريرًا لوكالة رويترز، تولى دزياجوش كتابته، لاستعراض دوافع التحرك المصري وأبعاده الاقتصادية والأمنية والعسكرية.
وبحسب التقرير الذي نشرته وكالة رويترز، من المتوقع أن يصوت مجلس النواب المصري الأسبوع المقبل على تفويض القوات المسلحة بمساعدة السعودية في التصدي لهجمات الحوثيين، إذا طلبت الرياض ذلك.
المصالح الاقتصادية وأمن البحر الأحمر يدفعان القاهرة للتحرك
يرتبط الاستقرار الاقتصادي في مصر منذ سنوات بعلاقاتها مع دول الخليج المنتجة للنفط، إذ تمثل تحويلات المصريين العاملين هناك مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية ودخل الأسر، خصوصًا في ظل التضخم المرتفع وزيادة أسعار الغذاء والوقود. كما قدمت السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى عشرات المليارات من الدولارات لمصر في صورة مساعدات وودائع لدى البنك المركزي واستثمارات، منذ إطاحة الجيش بالرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013.
وقال السيسي في خطابه إن مصر لا يمكن أن تنسى وقوف أشقائها في دول الخليج إلى جانبها خلال تلك الفترة. وتشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن وديعة سعودية بقيمة 5.3 مليار دولار لدى البنك تستحق السداد خلال أكتوبر، إلى جانب فوائد تبلغ 267 مليون دولار.
وتتزايد المخاوف الأمنية المصرية أيضًا مع اتساع نطاق الصراع. فقد أبرز هجوم بطائرات مسيّرة استهدف سفينتي غاز في مدينة دمياط الساحلية على البحر المتوسط خلال يوليو مدى صعوبة بقاء مصر بمنأى تمامًا عن تداعيات الحرب. ويرى إتش إيه هيليير، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن القاهرة تدرك أنها لا تستطيع البقاء على الهامش إلى أجل غير مسمى، مضيفًا أن الاعتبارات الاقتصادية والأمنية باتت متداخلة.
وتتقاطع المصالح المصرية والسعودية كذلك في تأمين حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، الذي يمثل منفذًا لصادرات النفط السعودية التي تعوق إيران خروجها عبر مضيق هرمز. وفي المقابل، تحقق مصر مليارات الدولارات سنويًا من رسوم عبور السفن قناة السويس. ويرى الباحث والصحفي المصري شريف عارف أن هذه المصالح المشتركة تجعل أمن السعودية أحد أبعاد الأمن القومي المصري.
ما القدرات العسكرية التي تستطيع مصر تقديمها؟
تمتلك مصر واحدة من أكبر القوات المسلحة في العالم العربي، إذ تضم مئات الآلاف من الأفراد العاملين، إلى جانب ترسانة واسعة من المعدات الجوية والبرية والبحرية، وفقًا لمحللين عسكريين. وتعتمد القوات الجوية المصرية على مقاتلات أمريكية من طراز «إف-16»، ومقاتلات فرنسية من طراز «رافال»، وأخرى روسية من طراز «ميج-29».
وتتلقى القاهرة مساعدات عسكرية أمريكية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار سنويًا، تساعدها على تمويل مشترياتها من المعدات الأمريكية. وخلال العام الجاري، أعفت واشنطن جزءًا من هذه المساعدات من شروط حقوق الإنسان، في ضوء ما وصفته بالدور المفيد الذي أدته القاهرة منذ اندلاع الحرب على إيران.
وسبق للقوات المسلحة المصرية أن خاضت عمليات لمكافحة التمرد في شبه جزيرة سيناء بعد انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. كما شاركت مصر بقوات جوية وبحرية في التحالف الذي قادته السعودية للتدخل في اليمن عام 2015، ونفذت ضربات جوية ضد أهداف لتنظيم «داعش» في ليبيا خلال الحرب الأهلية هناك.
لكن مصر لم تنفذ انتشارًا بريًا واسع النطاق خارج حدودها منذ حرب الخليج عام 1991، عندما انضمت قواتها إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت. وقبل ذلك بنحو ثلاثة عقود، أرسل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر قوات مصرية إلى اليمن في تدخل عسكري مكلف، شبّهه مراقبون لاحقًا بالتدخل الأمريكي في حرب فيتنام.
طبيعة الدعم المحتمل وحدود مواجهة الحوثيين
لم يحدد السيسي، في خطابه أو التصريحات اللاحقة، طبيعة القوات التي قد ترسلها مصر، إن قررت المشاركة عسكريًا. لكن محللين عسكريين يستبعدون نشر قوات مصرية داخل اليمن، ويرجحون أن يتركز الدعم على الدفاع الجوي والتعاون البحري.
وقال سمير راغب، الضابط المصري المتقاعد ورئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية، إن التهديدات التي تمثلها الصواريخ والطائرات المسيّرة تستلزم تعزيز الدفاعات الجوية واستخدام القوات الجوية. وأضاف أن القوات البحرية قد تضطلع بمهام حماية السفن، وتنفيذ عمليات بحرية لمكافحة القرصنة، وتأمين الساحل السعودي.
ومع ذلك، لا يتوقع أندرياس كريج، المحاضر الأول في دراسات الأمن بكلية كينجز لندن، أن يؤدي انضمام قوة عسكرية عربية كبيرة أخرى إلى حل مشكلة الحوثيين بصورة مفاجئة. وأوضح أن الجماعة تحقق تأثيرًا يفوق حجم قدراتها التقليدية بفضل الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوات الموزعة جغرافيًا وطبيعة التضاريس، معتبرًا أن القصف وحده لن يقضي على التهديد.
ويرى كريج أن بإمكان القاهرة تعزيز قدرة السعودية على الصمود أمام الهجمات، وتحسين السيطرة على البحر الأحمر، وتقاسم الأعباء الدفاعية، ورفع الكلفة السياسية لاستمرار الهجمات الحوثية. وبذلك قد يتركز الدور المصري المحتمل على حماية الأراضي السعودية والممرات البحرية والمنشآت الحيوية، بدلًا من الدخول في مواجهة برية مباشرة داخل اليمن.
https://www.reuters.com/world/middle-east/whats-behind-egypts-move-towards-possible-military-involvement-saudi-yemen-2026-10-19/

